فصل: تولية الوزير علي باشا

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ الجبرتي المسمى بـ «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» **


 تولية الوزير علي باشا

ثم تولى بعده الوزير علي باشا حكيم أوغلي وهي توليته الأولى بمصر فدخل مصر في شهر جمادى الأولى سنة ثلاث وخمسين ومكث إلى عاشر جمادى الأولى سنة 1154 ونزل سليمان باشا إلى بيت البيرقدار وعمل علي باشا أول ديوان بقراميدان بحضرة الجم الغفير وقرئ مرسوم الولاية بحضرة الجميع‏.‏

ثم قال الباشا أنا لم آت إلى مصر لأجل إثارة فتن بين الأمراء وأغراء ناس على ناس وإنما أتيت لأعطي كل ذي حق حقه وحضرة السلطان أعطاني المقاطعات وأنا أنعمت بها عليكم فلا تتعبوني في خلاص المال والغلال وأخذ عليهم حجة بذلك‏.‏

وأنفض المجلس‏.‏

ثم أنه سلم على الشيخ البكري وقال له‏:‏ أنا بعد غد ضيفك ثم ركب وطلع إلى السراية وأرسل إلى الشيخ البكري هدية وأغنامًا وسكرًا وعسلًا ومربات ونزل إليه في الميعاد وأمر ببناء رصيف الجنينة التي في بيته وكان له فيه اعتقاد عظيم لرؤيا منامية رآها في بعض سفراته منقولة عنه مشهورة‏.‏

وكانت أيامه أمنا وأمانا والفتن ساكنة والأحوال مطمئنة‏.‏

ثم عزل ونزل إلى قصر عثمان كتخدا القازدغلي بين بولاق وقصر العيني‏.‏

تولية يحيى باشا ثم تولى يحيى باشا ودخل إلى مصر وطلع إلى القلعة في موكبه على العادة وطلع إليه علي باشا وسلم عليه ونزل هو الآخر وسلم على علي باشا بالقصر ودعاه عثمان بك ذو الفقار وعمل له وليمة في بيته وقدم له تقادم كثيرة وهدايا ولم يتفق نظير ذلك فيما تقدم أن الباشا نزل إلى بيت أحد من الأمراء في دعوة وإنما كان الأمراء يعملون لهم الولائم بالقصور في الخلاء مثل قصر العيني أو المقياس‏.‏

وأقام يحيى باشا في ولاية مصر إلى أن عزل في عشرين شهر رجب سنة 1156‏.‏

تولية محمد باشا اليدكشي وتولى بعده محمد باشا اليدكشي وحضر إلى مصر وطلع إلى القلعة وفي أيامه كتب فرمان بأبطال شرب الدخان في الشوارع وعلى الدكاكين وأبواب البيوت‏.‏

ونزل الأغا والوالي فنادوا بذلك وشددوا في الأنكار والنكال بمن يفعل ذلك من عال أو دون وصار الأغا يشق البلد في التبديل كل يوم ثلاث مرات‏.‏

وكل من رأى في يده آلة الدخان عاقبه وربما أطعمه الحجر الذي يوضع فيه الدخان بالنار وكذلك الوالي‏.‏

وفي أيامه أيضًا قامت العسكر بطلب جراياتهم وعلائفهم من الشون ولم يكن بالشون أردب واحد فكتب الباشا فرمانًا بعمل جمعية في بيت علي بك الدمياطي الدفتر دار وينظروا الغلال في ذمة أي من كان يخلصونها منه‏.‏

فلما كان في ثاني يوم أجتمعوا وحضر الروزنامجي وكاتب الغلال والقلقات وأخبروا أن بذمة إبراهيم بك قطامش أربعين ألف أردب والمذكور لم يكن في الجمعية وأنتظروه فلم يأت‏.‏

فأرسلوا له كتخدا الجاويشية وأغات المتفرقة فامتنع من الحضور في الجمهور وقال‏:‏ الذي له عندي حاجة يأتي عندي فرجعوا وأخبروهم بما قال‏.‏

فقال العسكر‏:‏ نذهب إليه ونهدم بيته على دماغه فقام وكيل دار السعادة وأخذ معه من كل بلك اثنين اختيارية وذهبوا إلى إبراهيم بك قطامش‏.‏

فقال له الوكيل‏:‏ أي شيء هذا الكلام والعسكر قائمة على اختياريتها قال‏:‏ والمراد أي شيء وليس عند غلال‏.‏

قال له الوكيل‏:‏ نجعلها مثمنة بقدر معلوم‏.‏

فثمنوا القمح بستين نصف فضة الأردب والشعير بأربعين‏.‏

فقال إبراهيم بك‏:‏ يصبروا حتى يأتيني شيء من البلاد‏.‏

قال الوكيل‏:‏ العسكر لا يصبروا ويحصل من ذلك أمر كبير‏.‏

فجمعوا مبلغ اليكون فبلغ ثمانين كيسًا فرهن عند الوكيل بلدين لأجل معلوم‏.‏

وكتب بذلك تمسك وأخذ التقاسيط ورجع الوكيل إلى محل الجمعية وأحضر مبلغ الدراهم وكل من كان عليه غلال أورد بذلك السعر وهذه كانت أول بدعة ظهرت في تثمين غلال الأنبار للمستحقين‏.‏

واستمر محمد باشا في ولاية مصر حتى عزل سنة 1158‏.‏

تولية محمد باشا راغب ووصل مسلم ‏)‏محمد باشا راغب‏(‏ وتقلد إبراهيم بك بلغيه قائمقام وخلع عليه محمد باشا القفطان وعلى محمد بك أمين السماط‏.‏

ثم ورد الساعي من الإسكندرية فأخبر بورود حضر محمد باشا راغب إلى ثغر الإسكندرية فنزل أرباب العكاكيز لملاقاته وحضروا صحبته إلى مصر وطلع إلى القلعة وحصل بينه وبين حسين بك الخشاب محبة و مودة و حلف له أنه لا يخونه ثم أسر إليه أن حضرة السلطان يريد قطع بيت القطامشة والدمايطة فأجاب إلى ذلك‏.‏

واختلى بإبراهيم جاويش وعرفه بذلك فقال له الجاويش‏:‏ عندك توابع عثمان بك قرقاس وذو الفقار كاشف وهم يقتلون خليل بك وعلي بك الدمياطي في الديوان‏.‏

فقال له يحتاج أن يكون صحبتهم أناس من طرفك وإلا فليس لهم جسارة على ذلك‏.‏

فقال له‏:‏ أنا أتكلم مع عثمان أغا أبي يوسف بطلب شرهم لأنه من طرفي‏.‏

فلما كان يوم الديوان وطلع حسين بك الخشاب وقرقاش وذو الفقار وجماعته وطلع علي بك الدمياطي وصحبته محمد بك وطلع في أثرهم خليل بك أمير الحاج وعمر بك بلاط جلسوا بجانب المحاسبة فحضر عثمان أغا المتفرقة عند خليل بك فقال له‏:‏ لماذا لم تدخل عند الباشا‏.‏

فقال له‏:‏ تركناه لك‏.‏

فقال‏:‏ كأني لم أعجبك‏.‏

واتسع بينهما الكلام فسحب أبو يوسف النمشة وضرب خليل بك وإذا بالجماعة كذلك أسرعوا وضربوا عمر بك بلاط‏.‏

قتلوه ودخلوا برأسيهما إلى الباشا فقام علي بك الدمياطي ومحمد بك ونزلا ماشيين ودخلا إلى نوبة الجاويشية فأرسل الباشا للاختيارية يقول لهم أنهما مطلوبان للدولة‏.‏

وأخذهما وقطع رأسيهما أيضًا‏.‏

وكتبوا فرمانا إلى الصناجق والأغوات واختيارية السبع وجاقات بأن ينزلوا بالبيارق والمدافع إلى إبراهيم بك وعمر بك وسليمان بك الألفي وكان سليمان بك دهشور مسافرًا بالخزينة‏.‏

فنزلت البيارق والمدافع فضربوا أول مدفع من عند قيطرة سنقر فحمل الثلاثة أحمالهم وخرجوا بهجنهم وعازقهم إلى جهة قبلي ودخل العساكر إلى بيت إبراهيم بك فنهبوه وكذلك بيت خليل بك وذهبوا إلى بيت علي بك فوجدوا فيه صنجقيًا من الصناجق ملكه بما فيه ولم يتعرضوا ليوسف بك ناظر الجامع الأزهر ورفعوا صنجقية محمد بك صنجق ستة وماتت ستة أيضًا وذهب إلى طندتا وعمل فقيرًا بضريح سيدي أحمد البدوي‏.‏

ولما رجع سليمان بك دهشور من الروم رفعوا صنجقيته وأمروه بالأقامة برشيد وقلدوا عثمان كاشف صنجقية وكذلك كجك أحمد كاشف وقلدوا محمد بك أباظة أشراق حسين بك الخشاب دفتر دار مصر‏.‏

وأنقضت تلك الفتنة‏.‏

ثم أن الباشا قال لحسين بك الخشاب‏:‏ مرادي أن نعمل تدبيرا في قتل إبراهيم جاويش قازدغلي ورضوان كتخدا الجلفي وتصير أنت مقدام مصر وعظيمها‏.‏

فاتفق معه على ذلك وجمع عنده علي بك جرجا وسليمان بك مملوك عثمان بك ذي الفقار وقرقاش وذي الفقار كاشف ودار القال والقيل وسعت المنافقون وعلم إبراهيم جاويش ورضوان كتخدا ما يراد بهما‏.‏

فحضر إبراهيم جاويش عند رضوان كتخدا وأمتلأ باب الينكجرية وباب العزب بالعسكر والأوده باشيه وأجتمعت الصناجق والأغوات السبعة في سبيل المؤمن والأسباهية بالرميلة وأرسلوا يطلبون فرمانا من الباشا بالركوب على بيت حسين بك الخشاب الذي جمع عنده المقاسيد أعداءنا وقصده قطعنا‏.‏

فلما طلع كتخدا الجاويشية ومتفرقة باشا إلى راغب باشا وطلبوا منه فرمانا بذلك فقال الباشا‏:‏ رجل نفذ أمر مولانا السلطان وخاطر بنفسه ولم ينكسر عليه مال ولا غلال كيف أعطيكم فرمانا بقتله الصلح أحسن ما يكون‏.‏

فرجعوا وردوا عليهم بجواب الباشا فأرسلوا له من كل بلك اثنين اختيارية بالعرضحال وقالوا لهم‏:‏ أن أبي قولوا له ينزل ويولي قائمقام ونحن نعرف خلاصنا مع بعضنا‏.‏

فنزل بكامل أتباعه من قراميدان ولما صار في الرميلة أراد أن ينزل علي شيخون إلى بيت حسين بك الخشاب يكرنك معه فيه وإذا بالعزب المرابطين في السلطان حسن ردوه بالنار فقتل أغا من أغواته فنزل على بيت آقبردي إلى بيت ذي عرجان تجاه المظفر فأرسلوا له إبراهيم بك بلغيه صحبة كتخدا الجاويشية خلع عليه قفطان القائمقامية ورجع إلى بيته وأخذوا منه فرمانا بجر المدافع والبيارق من ناحية الصليبة‏.‏

وسارت الصناجق يقدمهم عمر بك أمير الحاج ومحمد بك الدالي وإبراهيم بك بلغيه ويوسف بك قطامش وحمزة بك وعثمان بك أبو سيف وأحمد بك ابن كجك محمد واسمعيل بك جلفي وعثمان بك وأحمد بك قازدغلية ورضوان بك خازندار عثمان كتخدا قازدغلي وأحتاطوا ببيت حسين بك الخشاب ومحمد بك أباظة من الأربع جهات‏.‏

فحارب بالبندق من الصبح إلى الظهر حتى وزع ما يعز عليه وحمل أثقاله وطلع من باب السر على زين العابدين وذهب إلى جهة الصعيد فدخل العسكر إلى بيته‏.‏

فلم يجدوا فيه شيئا ولا الحريم‏.‏

وهرب أيضًا إبراهيم بك قيطاس إلى الصعيد وعمر بك ابن علي بك وصحبته طائفة من الصناجق هربوا إلى أرض الحجاز وكان ذلك أواخر سنة 1161‏.‏

فكانت مدة محمد باشا راغب في ولاية مصر سنتين ونصفا ثم سار إلى الديار الرومية وتولى الصدارة‏.‏

وكان إنسانًا عظيمًا عالمًا محققًا وكان أصله رئيس الكتاب وسيأتي تتمة ترجمته في سنة وقاته والله أعلم‏.‏

مات الإمام الكبير والأستاذ الشهير صاحب الأسرار والأنوار الشيخ عبد الغني بن اسمعيل النابلسي الحنفي الصالحي‏.‏

ولد سنة 1050 وأحواله شهيرة وأوصافه ومناقبه مفردة بالتأليف‏.‏

ومن مؤلفاته المقصود في وحدة الوجود وتحفة المسالة بشرح التحفة المرسلة والأصل للشيخ محمد فضل الله الهندي والفتح الرباني والفيض الرحمان وربع الأفادات في ربع العيادات وهو مؤلف جليل في مجلد صخم في فقه الحنفية نادر الوجود والرحلة القدسية وكوكب الصبح في إزالة القبح والحديقة الندية في شرح الطريقة المحمدية والفتح المكي واللمح الملكي وقطر السماء ونظرة العلماء والفتح المدني في النفس اليمني وبديعيتان أحداهما لم يلتزم فيها اسم النوع وشرحها والثانية التزمه فيها شرحها القلعي مع البديعيات العشر‏.‏

توفي رضي الله عنه سنة 143 عن ثلاث وتسعين سنة‏.‏

ومات إمام الأئمة شسخ الشيوخ وأستاذ الأساتذة عمدة المحققين والمدققين الحسيب النسيب السيد علي بن علي إسكندر الحنفي السيواسي الضرير أخذ عن الشيخ أحمد الشوبري الشرنبلالي والشيخ عثمان ابن عبد الله التحريري الحنفيين وأخذ الحديث عن الشيخ البابلي والشبراملسي وغيرهم‏.‏

وسبب تلقيبه بإسكندر أنه كان يقرأ دروسًا بجامع إسكندر باشا بباب الخرق وكان عجيبًا في الحفظ والذكاء وحدة الفهم وحسن الألقاء وكان الشيخ العلامة محمد السجيني إذا مر بحلقة درسه خفض من مشيته ووقف قليلًا وأنصت لحسن تقريره وكان كثير الأكل ضخم البدن طويل القامة لا يلبس زي الفقهاء بل يعتم عمامه لطيفة بعذبه مرخية وكان يقول عن نفسه‏:‏ أنا آكل كثيرًا وأحفظ كثيرًا‏.‏

وسافر مرة إلى دار السلطنة وقرأ هناك دروسًا وأجتمع عليه المحققون حين ذاك وباحثوه وناقشوه وأعترفوا بعلمه وقضله وقوبل بالأجلال والتكريم وعاد إلى مصر ولم يزل يملي ويفيد ويدرس ويعيد حتى توفي في ذي القعدة سنة 148 عن ثلاث وسبعين سنة وكسور أخذ عنه كثير من الأشياخ كالشيخ الحفني وأخيه الشيخ يوسف والسيد البليدي والشيخ الدمياطي والشيخ الوالد والشيخ عمر الطحلاوي وغيرهم‏.‏

وكان يقول بحرمة القهوة وأتفق أنه عمل مهما لزواج ابنه فهاداه الناس وبعث إليه عثمان كتخدا القازدغلي فردين فأمر بطرحه في الكنيف لأنه يرى حرمة الانتفاع بثمنه أيضًا مثل الخمر ودليله في ذلك ما ذكر في وصف خمر الجنة في قوله تعالى‏:‏ لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون بأن الغول ما يعتر شارب الخمر بتركها وهذه العلة موجودة في القهوة بتركها بلا شك‏.‏

توفي إلى رحمة الله تعالى سنة 1146 ومات الإمام العلامة والمحقق الفهامة شيخ مشايخ العلم الشيخ محمد عبد العزيز الزيادي الحنفي البصير أخذ عن الشيخ شاهين الأرمناوي الحنفي عن العلامة البابلي وأخذ عنه الشمس الحفني ومات الشيخ الفقيه العلامة المتقن المتفنن الشيخ عيسى بن عيسى السقطي الحنفي أخذ عن الشيخ إبراهيم بن عبد الفتاح بن أبي الفتح الدلجي الفرضي الشافعي وعن الشيخ أحمد الأهناسي وعن الشيخ أحمد ابن إبراهيم التونسي الحنفي الشهير بالدقدوسي وعن السيد علي ابن السيد علي الحسيني الشهير بإسكندر والشيخ محمد عبد العزيز بن إبراهيم الزياد ثلاثتهم عن الشيخ شاهين الأرمناوي وأخذ أيضًا عن الشيخ العقدي والشيخ إبراهيم الشرنبلالي والشيخ حسن بن الشيخ حسن الشرنبلالي والشيخ عبد الحي الشرنبلالي ثلاثتهم عن الشيخ حسن الشرنبلالي الكبير‏.‏

توفي المترجم في سنة 1143‏.‏

ومات الأستاذ العلامة شيخ المشايخ محمد السجيني الشافعي الضرير أخذ عن الشيخ الشنبالي ولازمه ملازمو كلية وأخذ أيضًا عن الشيخ عبد ربه الديوي وأهل طبقته مثل الشيخ مطاوع السجيني وغيره وكان إمامًا عظيمًا فقيهًا نحويًا أصوليًا منطقيًا أخذ عنه كثير من فضلاء الوقت وعلمائهم‏.‏

توفي سنة 1158‏.‏

ومات الإمام العلامة والبحر الفهامة إمام المحققين شيخ الشيوخ عبد الؤوف بن محمد بن عبد اللطيف بن أحمد بن علي البشبيشي الشافعي خاتمة محققي العلماء وواسطة عقد نظام الأولياء العظماء ولد ببشبيش من أعمال المحلة الكبرى وأشتغل على علمائها بعد أن حفظ القرآن ولازم ولي الله تعالى العارف بالله الشيخ علي المحلي الشهير بالأقرع في فنون من العلم وأجتهد وحصل وأتقن وتفنن وتفرد وتردد على الشيخ العارف حسن البدوي وغيره من صوفية عصره وتأدب بهم وأكتسى من أنوارهم ثم أرتحل إلى القاهرة سنة 1081 وأخذ عن الشيخ محمد ابن منصور الأطفيحي والشيخ خليل اللقاني والزرقاني وشمس الدين محمد بن قاسم البقري وغيرهم وأشتهر علمه وفضله ودرش وأفاد وأنتفع به أهل عصره من الطبقة الثانية وتلقوا عنه المعقول والمنقول ولازم عمه الشهاب في الكتب التي كان يقرأها مع كمال التوحش والعزلة والأنقطاع إلى الله وعدم مسايرة أحد من طلبة عمه والتكلم معهم بل كان الغالب عليه الجلوس في حارة الحنابلة وفوق سطح الجامع حتى كان يظن من لايعرف حاله أنه بليد لا يعرف شيئًا إلى أن توجه عمه إلى الديار الحجازية حاجًا سنة 1094 وجاور هناك فأرسل له بأن يقرأ موضعه‏.‏

فتقدم وجلس وتصدر لتقرير العلوم الدقيقة والنحو والمعاني والفقه‏.‏

ففتح الله له باب القبض فكان يأتي بالمعاني الغريبة في العبارات العجيبة وتقريره أشهى من الماء العذب عند الظمآن وأنتفع به غالب مدرسي الأزهر وغالب علماء القطر الشامي ولم يزل على قدم الإفادة وملازمة الإفتاء والتدريس والإملاء حتى توفي في منتصف رجب سنة 1143‏.‏

ومات الأستاذ الإمام صاحب الأسرار وخاتمه سلسلة الفخار الشيخ أحمد بن عبد المنعم بن محمد بن محمد أبو السرور البكري الصديقي شيخ سجادة السادة البكرية بمصر أجازه أبو الإحسان بن ناصر وغيره وكان للوزير علي باشا بن الحكيم فيه اعتقاد عظيم كما تقدمت الإشارة إلى وعندما ذهب الأستاذ للسلام عليه تلقاه وقبل يديه وأقدامه وقال‏:‏ هذا الذي كنت رأيته في عالم الرؤيا وقت كربنا في السفرة الفلانية ولعله الشيخ البكري كما أخبرني عن نفسه‏.‏

فقيل له‏:‏ هو المشار إليه فاقبل بكليته عليه واستجازه في الزيارة بعد الغد وأرسل إليه هدية سنية ونزل لزيارته مرارًا‏.‏

توفي سنة 1153 ودفن بمشهد أسلافه عند ضريح الإمام الشافعي‏.‏

ومات الإمام العلامة والعمدة الفهامة المتفنن المتقن المتبحر الشيخ محمد صلاح الدين البرلسي المالكي الشهير بشلبي أخذ عن الشيخ أحمد النفراوي والشيخ عبد الباقي القليني والشيخ منصور المنوفي وغيرهم وروى عن البصري والنخلي وعنه أخذ الأشياخ المعتبرون‏.‏

توفي ليلة الخميس سابع عشر صفر سنة 1154‏.‏

ومات الإمام العالم العلامة والعمدة الفهامة أستاذ المحققين وصدر المدرسين الشيخ أحمد بن أحمد بن عيسى العماوي المالكي أخذ عن الشيخ محمد الزرقاني والعلامة الشبراملسي والشيخ محمد الأطفيحي و الشيخ عبد الرؤوف البشبيشي والشيخ منصور المنوفي والشيخ أحمد النفراوي كما نقلت ذلك من خطه وأجازته للمغفور له عبد الله باشا كبورلي زاده وكان قد قرأ عليه صحيح البخاري ومسلم والموطأ وسنن أبي داود وابن ماجه والنسائي والترمذي والمواهب قراءة لبعضها دارية ولبعضها روايه ولباقيها إجازة وألفية المصطلح من أولها إلى آخرها العلامة الشبراملسي تصدر للأقراء والأفادة في محله وانتفع به الطلبة وكان حلو التقرير فصيحًا كثير الإطلاع مستحضرًا للأصول والفروع والمناسبات والنوادر والمسائل والفوائد تلقى عنه غالب أشياخ العصر وحضروا دروسه القهية والمعقولية كما هو مذكور في تراجمهم‏.‏

ولم يزل مواظبًا وملازمًا على الإقراء والإفادة وإملاء العلوم حتى وافاه الأجل المحتوم‏.‏

وتوفي سابع جمادى الأولى من سنة 1155 وخلف بعده ابنه أستاذنا الإمام المحقق والتحرير المدقق بركة الوقت وبقية السلف الشيخ عبد المنعم أدام الله النفع بوجوده وأطال عمره مع الصحة والعافية آمين‏.‏

ومات الإمام العلامة الوحيد والبحر الخضم الفريد روض العلوم والمعارف وكنز الأسرار واللطائف الشيخ محمد بن محمد الغلاني الكثناوي الدانرانكوي السوداني كان إمامًا دراكا متقنا متفننا وله يد طولى وباع واسع في جميع العلوم ومعرفة تامة بدقائق الأسرار والأنوار‏.‏

تلقى العلوم والمعارف ببلاده عن الشيخ الإمام محمد ابن سليمان بن محمد النوالي البرناوي الباغرماوي والأستاذ الشيخ محمد بندو والشيخ الكامل الشيخ هاشم محمد فودو ومعناه الكبير‏.‏

قال وهو أول من حصل لي علي يديه الفتح وعليه قرأت أكثر كتب الأدب ولازمته حضرا وسفرا نحو أربع سنوات فأخذ عنه الصرف والنحو حتى أتقن ذلك وصار شيخه المذكور يلقبه بسيبويه‏.‏

وكان يلقبه قبل ذلك بصاحب المقامات لحفظه لها واستحضاره لألفاظها استحضارًا شديدًا بحيث إذا ذكرت كلمة يأتي بما قبلها بالبديهة وعدم الكلفة‏.‏

وتلقى عن الشيخ محمد بند وعلم الحرف والأوفاق وعلم الحساب والواقيت على أسلوب طريقة المغاربة والعلوم السرية بأنواعها الحرفية والوفقية وآلاتها الحسابية والميقاتية‏.‏

وحصلت له منه المنفعة التامة قال‏:‏ وقرأت عليه الأصول والمعاني والبيان والمنطق وألفية العراقي وجميع عقائد السنوسي الستة‏.‏

وسمع عليه البخاري وثلاثة أرباع مختصر الشيخ خليل من أول البيوع إلى آخر باب السلم ومن أول الأجارة إلى آخر الكتاب ونحو الثلث من كتاب ملخص المقاصد وهو كتاب لابن زكري معاصر الشيخ السنوسي في ألف بيت وخمسمائة بيت في علم الكلام وأكثر تصانيفه إلى غير ذلك‏.‏

قال‏:‏ وسمعت منه كثيرًا من الفوائد العجيبة والحكايات الغريبة والأخبار والنوادر ومعرفة الرجال ومراتبهم وطبقاتهم‏.‏

ذكر ذلك في برنامج شيوخه المذكورين وكان للمترجم همة عالية ورغبة صادقة في تحصيل العلوم المتوقف عليها تحصيل الكتب وكان يقول عن نفسه أن مما من الله علي به أني لم أقرأ قط من كتاب مستعار وإنما أدني مرتبتي إذا حاولت قراءة كتاب لم يكن موجودا عندي أن اكتب متنه موسع السطور لأقيد فيه ما أردته من شروحه أو ما سمعته من تقريرات الشيخ عند قراءته وأعلاها أن أكتب شرحه وحاشيته بدليل أنه لولا علو همتي وصدق ربتي في تحصيل العلوم لما فارقت أهلي وأنسي وطلقت راحتي وبدلتهما بغربتي ووحشتي وكربتي مع كون حالي مع أهلي في غاية الغبطة والانتظام فبادرت في اقتحام الأخطار لكي أدرك الأوطار‏.‏

ولما أستأذن شيخه في الرحلة والحج فمر في رحلته بعدة ممالك وأجتمع بملوكها وعلمائها فمن أجتمع به في كاغ برن الشيخ محمد كرعك وأخذ عنه أشياء كثيرة من علوم الأسرار والرمل وأقام هناك خمسة أشهر وعنده قرأ كتاب الوالية للكردي وهو كتاب جليل معتبر في علم الرمل وقرأ عليه هو الرجراجي وبعض كتب من الحساب‏.‏

وله رحلة تتضمن ما حصل له في تنقلاته وحج سنة اثنتين وأربعين ومائة وألف وجاور بمكة وابتدأ هناك بتأليف الدر المنظوم وخلاصة السر المكتوم في علم الطلاسم والنجوم وهو كتاب حافل رتبه على مقدمة وخمسة مقاصد وخاتمه وقسم المقاصد أبوابًا وأتم تبييضه بمصر المحروسة في شهر رجب سنة ست وأربعين ومن تأليفه كتاب بهجة الآفاق وأيضاح اللبس والأغلاق في علم الحروف والأوفاق رتبه على مقدمة ومقصد وخاتمه وجعل المقدمة ثلاثة أبواب والمقصد خمسة أبوابوكل باب يشتمل على مقدمة وفصول ومباحث وخاتمة‏.‏

وله منظومة في فلم المنطق سماها منح القدوس وشرحها شرحًا عظيمًا سماه أزاله العبوس عن وجه منح القدوس وهو مجلد حافل نحو ستين كراسًا‏.‏

وله شرح بديع على كتاب الدر والترياق في علم الأفاق‏.‏

ومن تآليفه بلوغ الأرب من كلام العرب في علم النحو وله غير ذلك‏.‏

توفي سنة 1154 بمنزل المرحوم الشيخ الوالدوجعله وصيًا على تركته وكتبه وكان يسكن أولًا بدرب الأتراك وهو الذي أخذ عنه علم الأوفاق وعلم الكسر والبسط الحرفية والعددية ودفنه الوالد ببستان العلماء بالمجاورين بنى على قبره تركيبة وكتب عليه اسمه وتاريخه‏.‏

ومات جامع الفضائل والمحاسن طاهر الأعراق والأوصاف السيد علي أفندي نقيب السادة الأشراف ذكره الشيخ عبد اله الأدكاوي في مجموعته وأثنى عليه وكان مختصًا بصحبته‏.‏

وحج مع المترجم سنة 1147 وعاد إلى مصر ولم يزل على أحسن حال حتى توفي في الليلة الثامنة عشرة من شهر شوال سنة 1153‏.‏

ومات الأستاذ العارف الشيخ أبو العباس أحمد بن أحمد العربي الأندلسي تلمساني الأزهري المالكي أخذ الحديث عن الإمام أبي سالم عبد الله سالم البصري المكي وأبي العباس أحمد بن محمد النخلي المكي الشافعيين وغيرهما من علماء الحرمين ومصر والمغرب أخذ عنه الشيخ أبو سالم الحفني والسيد علي بن موسى المقدسي الحسيني وغيرهما من علماء الحرمين ومصر والمغرب‏.‏

توفي سنة 1151‏.‏

ومات الإمام العلامة والتحرير الفهامة شمس الدين محمد بن سلامة البصير الإسكندري المكي البليغ الماهر أخذ العلم عن الشيخ خليل اللقاني والشهاب أحمد السندوبي والشيخ محمد الخرشي والشيخ عبد الباقي الزرقاني والشبرخيتي والأبيذري وهو الشهاب أحمد الذي روى عن البرهان اللقاني والبابلي وأخذ أيضًا عن الشيخ يحيى الشاوي والشهاب أحمد البشبيشي وله تأليفات عديدة منها تفسير القرآن العزيز نظمًا في نحو عشر مجلدات‏.‏

وقد أجاز الشيخ أبا العباس أحمد بن علي العثماني وأملى عليه نظمًا وذلك بمنزله بالجانب الغربي من الحرم الشريف وعمر ابن أحمد بن عقيل ومحمد بن علي بن خليفة الغرياني التونسي وحسين ابن حسن الأنطاكي المقري أجازه في سنة 1131 في الطائف واسمعيل بن محمد العجلوني وغيرهم‏.‏

توفي في ذي الحجة سنة 1149‏.‏

ومات الشيخ الإمام العالم العلامة صاحب التآليف العديدة والتقريرات المفيدة أبو العباس احمد بن عمر الديربي الشافعي الأزهري أخذ عن عمه الشيخ علي الديربي قرأ عليه التحرير وابن قاسم وشرح الرحبية وأخذ عن الشيخ محمد القليوبي الخطيب وشرح التحرير والشيخ خالد علي الآجرومية وعلي الأزهرية وعن الشيخ أبي السرور الميداني والشيخ محمد الدنوشر المشهور بالجندي علم الحساب والفرائض وأخذ عن الشيخ الشنشوري ومن مشايخه يونس بن الشيخ القليوبي والشيخ علي السنبطي والشيخ صالح الحنبلي والشيخ محمد النفراوي المالكي وأخوه الشيخ أحمد النفراوي والشيخ خليل اللقاني والشيخ منصور الطوخي والشيخ إبراهيم الشبرخيتي والشيخ إبراهيم المرحومي والشيخ عامر السبكي والشيخ علي الشبراملسي والشيخ شمس الدين محمد الحموي والشيخ أبو بكر الدلجي والشيخ أحمد المرحومي والشيخ أحمد السندوبي والشيخ محمد البقري والشيخ منصور المنوفي والشيخ عبد المعطي المالكي والشيخ محمد الخرشي والشيخ محمد النشرتي والشيخ أبو الحسن البكري خطيب الجامع الأزهر وانتشر فضله وعلمه وأشتهر صيته وأفاد وألف وصنف‏.‏

فمن تآليفه غاية المرام فيما يتعلق بانكحة الأنام وغاية المقصود لمن يتعاطى العقود على مذهب الأئمة الأربعة والختم الكبير على شرح التحرير المسمى‏:‏ فتح الملك الكريم الوهاب بختم شرح تحرير تنقيح اللباب وغاية المراد لمن قصرت همته من العباد وختم على شرح المنهج سماه فتح الملك الباري بالكلام على آخر شرح المنهج للشيخ زكريا الأنصاري وختم على شرح الخطيب وعلى شرح ابن قاسم وكتابه المشهور المسن فتح الملك المجيد لنفع العبيد جمع فيه ما جربه وتلقاه من الفوائد الروحانية والطبية وغيرها‏.‏

وهو مؤلف لا نظير له في بابه وله رسالة على البسملة وحديث البداءة ورسالة تسمى تحفة المشتاق فيما يتعلق بالسنانية ومساجد بولاق ورسالة تسمى تحفة الصفا فيما يتعلق بابوي المصطفى والقول المختار فيما يتعلق بابوي النبي المختار ومناسك حج على مذهب الإمام الشافعي وتحفة المريد في الرد على كل مخالف عنيد وفتح الملك الجواد بتسهيل قسمة التركات على بعض العباد بالطريق المشهورة بين الفريضيين في المسائل العائلة ورسالة في سؤال الملكين وعذاب القبر ونعيمه والوقوف في المحشر والشفاعة العظمى وأربعون حديثًا وتمام الانتفاع لمن أرادها من الأنام وجاشية على شرح ابن قاسم الغزي ورسالة تتعلق بالكواكب السبعة والساعات الجيدة وبضرب المنادل العلوية ولسفلية وإحضار عامر المكان وأستنطاقه وعزله ولوح الحياة والممات وغير ذلك‏.‏

توفي سابع عشرين شعبان سنة 1151‏.‏

وما الإمام العلامة والبحر الفهامة شيخ مشايخ العصر ونادرة الدهر الصالح الزاهد الورع القانع الشيخ مصطفى العزيزي الشافعي ذكره الشيخ محمد الكشناوي في آخر بعض بآليفه بقوله‏:‏ وكان الفراغ من تأليفه في شهر كذا سنة ست وأربعين وذلك في أيام الأستاذ زاهد العصر الفخر الرازي الشيخ مصطفى العزيزي وناهيك بهده الشهادة‏.‏

وسمعت وصفه من لفظ الشيخ الوالد وغيره من مشايخ العصر من أنه كان أزهد أهل زمانه في الورع والتقشف في المأكل والملبس والتواضع وحسن الأخلاق ولا يرى لنفسه مقامًا‏.‏

وكانمعتقدًا عند الخاص والعام وتأتي الأكابر والأعيان لزيارته ويرغبون في مهاداته وبره فلا يقبل من أحد شيئًا كائنًا ما كان مع قلة دنياه لا كثيرًا ولا قليلًا وأثاث بيته على قدر الضرورة والأحتياج‏.‏

وكان يقرأ دروسه بمدرسة السنانية المجاورة لحارة سكنه بخط الصنادقية بحارة الأزهر ويحضر دروسه كبار العلماء والمدرسين ولا يرضى للناس بتقبيل يده ويكره ذلك فإذا تكامل حضور الجماعة وتحلقوا حضر من بيته ودخل إلى محل جلوسه بوسط الحلقة فلا يقوم لدخوله أحد‏.‏

وعندما يجلس يقرأ المقري وإذا تم الدرس قام في الحال وذهب إلى داره وهكذا كان دأبه‏.‏

توفي سنة أربع وخمسين وأقام عثمان بك ذا الفقار وصيًا على أبنته‏.‏ ومات